طاهر سليمان حموده

242

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

صدقه ، ولهذا قال بعض أكابر العلماء : إذا قبلنا رواية أهل العدل وهم يرون أن من كذب فسق فكيف لا يقبل رواية الخوارج وهم يرون أن من كذب كفر ، والذي يدل على قبول نقلهم أن الأمة أجمعت على قبول صحيح مسلم والبخاري ، وقد رويا عن قتادة وكان قدريا ، وعن عمران بن حطان وكان خارجيا وعن عبد الرزاق وكان رافضيا » « 1 » . ويتضح من هذا أن اللغويين يحاولون أن تكون شروطهم مماثلة لشروط المحدثين حيث يحتج ابن الأنباري لقبول نقل أهل الأهواء في اللغة بما فعله البخاري ومسلم ، بيد أن هذا في الحقيقة لا يطابق الواقع ، إذ المحدثون أكثر تشددا في الرواية وتحري الرواة من اللغويين نظرا لطبيعة نقولهم التي تتصل مباشرة بالدين ، ولتوفر الدوافع إلى الكذب في الحديث أكثر من توفرها في اللغة ، وهناك أمر ثالث وهو طول الاسناد في الحديث وكثرة الرجال الذين يحتاج نقاد الحديث إلى ضبطهم ومعرفة أحوالهم ، والأمر في اللغة يختلف عن ذلك فقد تساهل اللغويون في البحث عن أحوال نقلة اللغة جرحا وتعديلا كما فعل المحدثون ، ولا نكاد نجد محاولة جادة في ذلك إلا عند أبي الطيب اللغوي في كتابه « مراتب النحويين » ، وإن كان هذا الكتاب في ظاهره يبدو تعريفا بأئمة اللغة ورواتها . وقد أنكر الرازي على اللغويين هذا الاهمال ، وبرغم تعقب الأصبهاني له فإنه وافقه في أنه كان من الواجب على اللغويين أن يبحثوا عن أحوال الرواة « 2 » ، ويحاول القرافي أن يجد عذرا لمسلك اللغويين بقوله : « إنما أهملوا ذلك لأن الدواعي متوفرة على الكذب في الحديث بأسبابه المعروفة الحاملة للواضعين على الوضع ، وأما اللغة فالدواعي إلى الكذب فيها في غاية الضعف . . . ولما كان الكذب والخطأ في اللغة وغيرها في غاية الندرة ، اكتفى العلماء فيها بالاعتماد على الكتب المشهورة المتداولة فإن شهرتها وتداولها يمنع من ذلك مع ضعف الداعية له ، فهذا هو الفرق » « 3 » .

--> ( 1 ) المصدر السابق ص 86 - 88 . ( 2 ) المزهر ج 1 ص 118 ، 119 . ( 3 ) المصدر السابق ج 1 ص 119 ، 120 .